أحمد بن علي القلقشندي

97

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

في مصيبة الموت الَّتي سوّى بين الخليقة في تجريع صابها ، واقتحام عقابها ، وقد اتّصل بالمملوك خبر الحادث الفاصم لعرى الجلد ، البارح ( 1 ) في الجلد ، فاستحالت في عين المملوك الأحوال ، ومالت عنه الآمال ، ورأى السماء وقد تكدّر جوّها ، والشمس وقد تعكَّر ضوّها ، والسّحائب وقد أخلف نوّها ، والنّهار وقد اظلم ، والليل وقد أدلهم ، والنسيم وقد ركد ، والمعين وقد جمد ، والزمان وقد سهمت وجنته ، وسلبت حليته ، وأفرجت قبضته عن التماسك ، وقبضت على التهالك ، وعدلت عن التجلَّد ، إلى التبلَّد ، ثم أفاق من غمرة فجيعته ، وهبيب سنة رويّته ، فسلَّم للَّه راضيا بأقضيته ، راغبا في مثوبته . أبو الفرج ( 2 ) الببغاء : إذا كان أيّده اللَّه أهدى في النّعم إلى سبل الشكر ، وأعرف في المحن بطرق الصبر ، فكيف نحاذر عليه من المصائب ، ونذكَّره التسليم لمحتوم النّوائب ، والمصيبة بفلان أعظم من أن نهتدي فيها إلى سلوة غير مستفادة منه ، أو نقتدي في العزاء بغير ما نأخذه عنه ، إذ كانت قلوبنا تبع قلبه - سرّه اللَّه - في طروق السّراء والضّرّاء ، وحالتي الشّدّة والرّخاء . وأحسن [ اللَّه ] عن الفجيعة عزاءه ، وأجزل من المثوبة عطاءه ، ولا شغله عن حلاوة شكر النّعم بمرارة الصبر على ورود المحن ، وجعل ما نقل الماضي إليه ، أنفع له ولسيّدي من الجزع عليه . وله في مثله : اتصل بي خبر المصيبة فجدّد الحسرة ، وسكب العبرة ( 3 ) ، وأضرم الحرقة ، وضاعف اللَّوعة ، وكان الأسف عليه ، بقدر تشوّف الآمال كانت إليه ، فإنّا للَّه وإنّا إليه راجعون ! ! أخذا بأمره ، وتسليما لحكمه ، ورضا بمواقع أقضيته ،

--> ( 1 ) لعله « البادح » ، والبدح والبذح بإهمال الدال وإعجامها هو الشق ، انظر حاشية الطبعة الأميرية . ( 2 ) تقدمت ترجمته في الحاشية رقم 1 ص 24 من هذا الجزء . ( 3 ) العبرة : الدمعة قبل أن تفيض ، والجمع عبرات وعبر . القاموس المحيط ( عبر ) .